مقال مقدم من : الأستاذة / سميرة أحمد الجلال
مديرة إدارة التطوير التربوي
إدارة تربية وتعليم البنات بالأحساء

 

جلست الزوجة تحدث زوجها عن زيارتها لصديقتها وأنها قدمت لها طبقاً من السمك لم تذق مثله من قبل , فطلب الزوج من زوجته أن تأخذ الطريقة ليذوق هذا الطبق الذي لا يقاوم . اتصلت الزوجة وبدأت تكتب الطريقة و صديقتها تحدثها فتقول " نظفي السمكة ثم اقطعي الرأس والذيل ثم اغسليها ، ضعي البهار ثم أحضري المقلاة .." هنا قاطعتها الزوجة: ولماذا قطعتي الرأس و الذيل؟ فكرت الصديقة قليلا ثم أجابت: لقد رأيت والدتي تعمل ذلك! ولكن دعيني أسألها. اتصلت الصديقة بوالدتها وبعد السلام سألتها: عندما كنت تقدمين لنا السمك اللذيذ لماذا كنت تقطعين رأس السمكة وذيلها؟ أجابت الوالدة : لقد رأيت جدتك تفعل ذلك ! ولكن دعيني أسألها. اتصلت الوالدة بالجدة وبعد الترحيب سألتها: أتذكرين طبق السمك الذي كان يحبه أبي ويثني عليك عندما تحضرينه ؟ فأجابت الجدة : بالطبع ، فبادرتها بالسؤال قائلة: ولكن ما السر وراء قطع رأس السمكة وذيلها؟ فأجابت الجدة بكل بساطة وهدوء : كانت حياتنا بسيطة وقدراتنا متواضعة ولم يكن لدي سوى مقلاة صغيره لا تتسع لسمكه كاملة !!

إن هذه القصة تعبر عن واقع الكثير من العاملين في المؤسسات المختلفة، أعمال روتينية و إجراءات معينة وحلول متكررة دون التفكير في المتغيرات والمستجدات لأن أبسط وأسهل شيء هو أن نفعل ما كنا نقوم به دوماً، فإلى متى نستمر في سجن أفكارنا داخل قوالب جامدة و إلى متى نبقى نسخ مكررة لغيرنا دون تقديم إبداع يميزنا و يحقق أهدافنا لنصنع حضارة وقوة لوطننا و أمتنا الإسلامية. حيث يعتبر الإبداع قيمة وخصلة حميدة في ثقافتنا العربية والإسلامية مثل الكرم والشجاعة والوفاء والأمانة .....وغيرها ولكن لم يتداول ويشيع استخدام هذا الكلمة بين العرب قبل الإسلام....نظراً لعدم وجود البيئة التي تشجع عليه ، ولكن عندما جاء الإسلام وأوجد البيئة التي تساعد على تنمية الإبداع لدى المسلمين .....قامت الحضارة الإسلامية الزاخرة بالعلماء المبدعين وبالإنجازات الإبداعية لهم .

فما هو الإبداع..وما ركائزه و دعائمه وهل نستطيع الوصول إليه في مؤسساتنا التعليمية ؟

بعيداً عن التعريفات العلمية و المصطلحات اللغوية وصف تورانس الإبداع بأنه حَفرٌ في الأعماق، و هو خروج من وراء أبواب مغلقة، و شطب للأخطاء، كما أنه مصافحة مع المستقبل (1) .

و يمكن القول أن الإبداع هو فن الإبحار في المجهول و هو تحدي الخوف من أجل الوصول للنجاح ، كما أنه التميز و التفرد في الإنجاز ، وهو بناء قلعة من الأفكار .

هو أن تشعل شمعة جديدة لتضيء ظلام الجهل ،و هو فكرة من الماضي و المستقبل ، والإبداع هو هزة للواقع المتجمد بأفكار ساخنة ، كما أنه خروج لعالم أوسع و أفضل ، و أخيراً هو الإتيان بأفكار جديدة تترجم إلى إنتاج مبدع يشترط فيه المشروعية والنفع للمجتمع .

ولكي نصل لهذا الإنتاج المبدع في مؤسساتنا التعليمية لابد من بناء دعائم الإبداع فيها و التي من أهمها التدريب على الإبداع و توفير البيئة الإبداعية.

و في مجال التدريب على أساليب الإبداع يذكر دي بونو – أحد أبرز العلماء في مجال التفكير الإبداعي -أنه لا يفيد الاعتراف بهز الرأس فقط بأهمية التفكير الإبداعي ،وإنما على الفرد أن يطور وينمي المهارات في استخدام هذا الأسلوب من التفكير (2) ، حيث يجمع العديد من الباحثين على أن الإبداع مهارة يمكن التدرب عليها، ويخطأ من يظن أنه قدرة خاصة يتمتع بها فئة من الناس دون غيرهم، بل هي قدرة طبيعية لدى الجميع، وإن كانت تتفاوت من شخص لآخر. وقد أثبتت العديد من الدراسات أن التدريب على استخدام آليات وأدوات الإبداع ينمي القدرة على التفكير الإبداعي بحسب استعداد الشخص مثله في ذلك مثل كثير من المهارات الأخرى التي يتم التدرب عليها، كأساليب القيادة والاتصال واتخاذ القرارات ومهارات التفاوض والإقناع .

وهناك أساليب أساسية للتدريب على الإبداع يتدرب الفرد من خلالها على النظر للأمور من زوايا متعددة ومن أماكن مختلفة غير الزوايا التقليدية التي اعتاد عليها ، ومن هذه الأساليب تحدي الافتراضات أو الأفكار المسلّم بها كقلبها أو تغيير ترتيبها أو نفيها، فالإبداع أن لا تضع قاعدة لتصل إلى قاعدة جديدة .

 ولنا قدوة في رسولنا المبدع العظيم حين نجح في القضاء على مشكلة كادت أن تقع بين القبائل بسبب الاختلاف على وضع الحجر الأسود فأتى بفكرة إبداعية غير مألوفة فطلب منهم وضع الحجر الأسود في قطعة من القماش ليحمله الجميع ثم يضعه بيده الشريفة في مكانه.

كذلك من أساليب توليد الأفكار الإبداعية العصف الذهني والكتابة الإبداعية ، الاستثارة العشوائية ، الأسئلة المحفزة ، التأليف بين الأشتات ، تحليل الشكل ، الهروب من الفكرة الرئيسية أوفي مقابل ذلك التركيز عليها ، إزالة الأخطاء ، التوقف المفاجئ أثناء البحث عن الأفكار ، التخيل و التشبيه وغيرها من الأساليب المتعددة والتي تقوم جميعها على مبدأ توليد الأفكار المتعددة والجديدة من خلال آليات تحفز التفكير المتشعب والغير منطقي ،ثم تستخدم المنطق في تعديلها وتطويرها وجعلها قابلة للتطبيق .

وهذه الأساليب الإبداعية تجعلنا نفكر في جميع الاتجاهات من أجل جذب الأفكار ،و ننظر للمشكلة كأننا نراها لأول مرة ، ننظر إليها كما يراها الطفل بأعين مندهشة وبفضول لا نهاية له ، نستكشف غموضها ونفحصها من جميع الجوانب مع تحمل للمخاطرة ومواجهة للصعاب و تزود من المعرفة لنكون خليطا جديداً من الأفكار ونصيح بأعلى صوتنا : لدينا فكرة .

أما الدعامة الثانية التي تبني الإبداع في المؤسسة التعليمية فهي البيئة الإبداعية ويمكن القول إذا جاز التشبيه أن الأفكار الجديدة كالجنين لا يمكن أن يعيش إذا لم يجد له البيئة المناسبة وهي رحم الأم، وهي مثله هشة ضعيفة تحتاج للاحتضان حتى تنمو وتصبح ناتجاً إبداعياً ، لذا لابد من تقبل الأفكار الجديدة والتي قد تكون إبداعية مهما كانت غريبة أو غير معقولة أو مضحكة وعدم التوجه نحوها بالنقد؛ بسبب عدم قدرتها على الصمود أمامه في هذه المرحلة ، وهي أحق من غيرها بالأمن لأنها تحمل بين طياتها التغيير والتجديد، و تحتاج إلى قدر من التضحية والصبر حتى تظهر نتائجها على المدى البعيد.

والبيئة الإبداعية أو المناخ الإبداعي في معناه الواسع يعني الوسط المباشر والتأثيرات الاجتماعية النفسية والاقتصادية والثقافية والتربوية التي تحفز على الإبداع، وهي التي تتيح الفرصة للتلاقح الفكري وتوليد أفكار جديدة، وينبغي أن تتصف بثلاث صفات رئيسية هي : الاتجاه التجريبي ، وامتلاك روح المرح ، والتلقائية والعفوية (3) . كما أن المناخ الإبداعي في المدرسة هو مجموعة الظروف العقلية والانفعالية والاجتماعية المحيطة بالفرد، والتي تعمل من خلال عملية التعليم والتعلم على تنشيط وتنمية امكاناته وقدراته الإبداعية، وسماته الوجدانية، و الدافعية التي تشجع الإنتاج الإبداعي، والدفاع عنه وتأييده حتى يصل إلى الآخرين (4) . و كما أن المبدعين يحتاجون إلى بيئة تتصف بالأمن والحرية تتيح لهم عرض أفكارهم -مادامت في حدود شرع الله- دون خوف من تجاهل، أو استنكار، أو رفض، أو عقاب من المجتمع، فهم يختلفون في تأثير هذه البيئة على إنتاجهم الإبداعي فمنهم فئة إذا قوبلت أفكارهم بالرفض من المجتمع فإنهم يستسلمون لذلك ويتنازلون عنها أو قد يتوجهون لمجتمعات أخرى تتقبل أفكارهم المبدعة،أو أنهم يبحثون عن سراديب وأنفاق تحت الأرض يخرجون فيها ما لا يقوون على إخراجه فوق سطح الأرض،بسبب القيود المفروضة عليهم وقد لا يصبر البعض فنجدهم يتوقفون عن الأداء الإبداعي، والبعض - وهم كثر ة - يمضون في الطريق السهل، ويتحول انتباههم الإبداعي إلى أشياء سطحية ليس لها من عمق أو رسالة أو إضافة، وبذلك يفقدون خصائص المبدعين ، بينما هناك من المبدعين من يعتقد بأن مجتمعه بحاجة لهذه الأفكار لتزدهر، وهو يبقى يحارب من أجلها .

فلماذا نخسر مبدعينا و لماذا لا يتنفس الإبداع في مؤسساتنا ..إن هذا يدعونا لمناقشة بعض معوقات الإبداع البيئية و التي من أبرزها : الخوف من التغيير و مهاجمة الأفكار الجديدة والركون إلى الوضع الحالي ، عدم الثقة الكافية ، التقييد المستمر للاتصال، فرض دافعية خارجية محددة ، كذلك تقييد المعلومات وعدم نشرها، عدم الصبر على الأفكار الجديدة ورفضها قبل أن تنضج، ضعف الحوار والتعبير عن الآراء بين أفراد المجتمع، الصرامة والجدية المبالغ فيها وعدم المرح، عدم الانفتاح، فرض القيود على الاستقلالية الفردية وعدم التوازن بين العمل الفردي والجماعي ، عدم وجود أنظمة لاكتشاف المبدعين ، عدم وجود المكافأة الملائمة ، الرقابة الدقيقة ، عدم وجود الحوافز ،اتخاذ القرارات بشكل بيروقراطي ، أهداف المنظمة غير الطموحة ، عدم كفاية المصادر والموارد ، التقويم والضغط النفسي ،الضغط الزمني وقيود الوقت . و لقد توصلت دراسة هيجان ، 1999م (5) عن معوقات الإبداع في المنظمات السعودية إلى نتائج منها إن الثقافة التنظيمية للمنظمات السعودية لا تزال قاصرة عن توفير المناخ الملائم للإبداع رغم توفر الدوافع الداخلية لدى الأفراد فيها ، وأن بيئات العمل فيها لا تزال مصرة على التمسك بالأنماط والأساليب التقليدية ، وأنها تفتقر إلى الحرية في الحصول على المعلومات وطرح الأفكار. فماذا فعلنا لمواجهة هذه المعوقات التي تعتبر قاتلة للإبداع الذي طالما تساءلنا أين هو ؟ .

و يبقى أن نقول إن التحدي الأعظم لنا هو تسخير طاقاتنا العقلية وإمكانياتنا من أجل الإبداع للوصول للجودة في تعليمنا ، فهل نتيح المجال لمبدعينا للقيام بذلك ؟ إن هذه هي مسؤولية المؤسسة التعليمية بجميع مستوياتها لتصل لغد مشرق و تصنع مستقبل واعد لمجتمعها .

 

(1) جروان ، فتحي عبد الرحمن. 1998م . الموهبة والتفوق والإبداع .الأردن : دار الكتاب الجامعي .
(2) دي بونو ، إدوارد .التفكير الإبداعي .ترجمة خليل الجيوسي . أبو ظبي : منشورات المجمع الثقافي ، 1997 .
(3) السويدان ، طارق . العدلوني ، محمد . مبادئ الإبداع . شركة الإبداع الخليجي . الكويت.2001 ، ص 73.
(4) الكناني ، ممدوح عبد المنعم .1990. الأسس النفسية للابتكار . الكويت : مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع ، ص 125 .

(5) فقيه ، سناء محمد عبد القادر . 1420. تطبيق أساليب الإبداع الإداري في التنمية الإدارية للقيادات التربوية النسائية في مراحل التعليم العام بمنطقة مكة المكرمة التعليمية . رسالة ماجستير غير منشورة .جامعة أم القرى : كلية التربية ، ص19 .